الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

53

طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )

يكن وجه لتسميتها بفاتحة الكتاب . ومنها : قوله تعالى : « إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَي اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنْ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّه يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ » « 1 » ، فهذه تدلّ على شدّة اهتمام النّبي صلى الله عليه وآله والمسلمين بقراءة القرآن من الصدر الأوّل ، حتّى إنّهم كانوا يقومون كثيراً من الليل لم يكن لهم همّ إلّاتلاوة القرآن . وقد ورد في الأخبار ما يدلّ على اهتمام المسلمين بتلاوته فإذا مرّ عليهم أحد يسمع لهم دويّاً كدويّ النحل ، واهتمامهم بحفظه وتعليمه حتّى صاروا يجعلون تعليمه مهراً لأزواجهم . ومع ملاحظة هذه القرائن نقطع بعدم إمكان أن تمتد يد التحريف إليه . الوجه الثاني : آيات من نفس الكتاب العزيز تدلّ صريحاً على عدم التحريف ، ولا يخفى أنّ الاستدلال بها ليس دورياً ؛ لأنّ المدّعي يدّعي التحريف بالنقيصة لا الزيادة فإنّ الزيادة مجمع على بطلانها والقرآن الموجود في يومنا هذا بما فيه من الآيات مقبول عند الجميع : منها : قوله تعالى : « وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمجْنُونٌ لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنْ الصَّادِقِينَ * مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ » « 2 » . فإنّ معنى كلمة الذكر في قوله تعالى : « إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ » هو القرآن ، وقوله تعالى : « وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ » شاهد قطعي على ذلك ، بل هذه الآية تدلّ على شهرة هذا الاسم للقرآن بحيث يستعمله الكفّار المنكرون للوحي أيضاً ، وحفظه بإطلاقه يشمل الحفظ من جميع الجهات من الزيادة والنقصان والتغيير والغلبة عليه وغيرها ، ولا دليل على التحديد والتقييد .

--> ( 1 ) . سورة المزمّل ، الآية 20 ( 2 ) . سورة الحجر ، الآيتان 6 و 9